تهجم على الكون بغتة، فتغشاه بظلمتك، تضمه وتحتضنه في حنان، فتستريح أرواح إلى حضنك الدافء فتتخفف من عناء النهار ووعثاء السبح الطويل فيه، تسكن إلى مأوها، وتأوي إلى كنفك الندي وتبوح لك أسرارها وأغوارها طلبا لخزان إفراغ لا مستودع أسرار، ولكنك وفي عظيم، لا تهتك سترا، ولا تفضح عورة، مع اطلاعك الواسع اللامحدود على الخبايا والنوايا، وشهودك لكل الخطط العالمية والمحلية والاقليمية، كم أنت صبور يا ليل!
تأتي خلسة فتتمدد في الآفاق فتعطي كل طالب ما يطلبه منك بلا كلل ولا ملل، بل لن تتعلل بكثرة طلباتنا وسوء طويتنا، وعدم اعترافنا لذوي الفضل فضلهم، معطاء لا يضجر، سحاء لا يتوقف، سخي لا يبخل، كم أنت ثقيل الدم! لا تهدك الطوام. ولا تستفزك الويلات والنكبات، تقف شامخا كالطود لا يهده شيء، متماسك متين، يقاوم التقادم والتقهقر! شكرا على صبرك الجم، وحلمك الأعم!
ترنو إليك نفوس المحبين فيعدون ساعات النهار لحظة بلحظة شوقا إلى الارتماء بين ذراعيك الحانيتين، لأنك صرت طبيبهم الوحيد الذي يفهم المرض ويملك الترياق، يبثون إليك أحزانهم وأشجانهم، يشاركونك في الترح والمرح لا يخفون عنك أمرا، ولا يملكون ذلك، لأنك الصندوق الأسود لحيواتهم، وما كانت تسمية الصندوق بالأسود اعتباطا! وما ذاك إلا ليكون تيمنا بك وبعبقريتك في الحفاظ على الأسرار وإن كلفت كل شيء. تستمع إليهم بلا تضجر ولا تأفف، يكررون فيك حماقاتهم وعنجهياتهم، لكنك تسترهم وترعاهم، تربت على أكتافهم وتمسح رؤوسهم لتنسيهم شيئا من الألم!
فيك يختلي الحبب بحبيبه فيناجيه ويسعد بلقياه، كل ذلك تحت جنح الظلام وفي كنف الرعاية والاهتمام، يأتون فرادى وجماعات فيفترشون الأرض بلا لحاف ولا حصير، فكيف استأمونك بكل ذلك ويزيد؟!
حتى المتآمر والمشكوك فيه فأنت لا تلوي على شيء من أمره ولا تشهر به بين العالمين، لكنك تتغافل عنه وتتشاغل وكأنك لم تسمع ولم تشهد، تسير هائما نحو المجهول، ولكنك كما عهدناك وفي لا يبالي بلسعاة أولاده، تتنفس بعمق، وتوفر قصة غطاء لكل خائف مهموم يخشى الدوائر!
شكرا أيها الليل ما أنبلك وأعمق شخصية منك، تحن نفوسنا ألى جمال الطبيعة الأخاذ، إلى لياليك المتألأة في عز وفخر، ومركز إشعاع نورازي وضاح، حيث السمر يكون ذا معنى مفعم بالحيوية والنشاط، كواكب سيارة، وأخرى تخنس ثم تكنس، ما أعظم جلدك تجمع المتناقضات ثم لا تتناقض، حيرت الأنام وأبهرت الثقلين، أعجزت الملحدين الفارغين! عجبا بأمرك يا ليل!
#شعيب_بن_عبدالرزاق
قلم يبني وعقل يفكّر
الكفاح من أجل النجاح
الجمعة، 31 مايو 2024
شكرا أيها الليل!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)