جلس على المنبر يلقِّن الناشئة والمعتكفين في
المسجد عقيدة أهل السنة والجماعة، وابتدأ كتيبا أو رسالة لأحد الأئمة الذين عاشوا
في القرن الثالث الهجري، وكان الإمام يقرر في تلك الرسالة بعض القضايا العقدية،
ويرد على بعض الفرق والطوائف المنحرفة في تلك الحقبة الزمنية التي عاصرها!!
فلما جاء على هذه الجملة "ولا نرى الخروج على
أئمتنا وولاة أمورنا وإن فسقوا وفجروا" أسهب في الكلام وأطنب في الشرح
والبيان حتى قال أنه ما كان ينبغي الخروج على طواغيت العرب الذين تساقطت
وتهاوت عروشهم تباعا أيام الربيع العربي، أولئك الذين ما بكت عليهم شعوبهم بل
تنفسوا السعداء يوم خرجوا من المسرح مغضوبين عليهم، شدّد في الكلام وأكّد أن
الخروج على القذافي وعلي صالح وبشار ومبارك وبن علي، كان خطئية ارتكبتها الشعوب
بحماقة، واغتروا بحماسة المتحمسين!! وذلك استناد إلى هذه العقيدة التي هي من صميم
عقيدة أهل السنة والجماعة؛ الفرقة الناجية، وأنه لم ينتج من الخروج عليهم إلا شرٌّ
محض لا خير فيه!! سبحانك هذا بهتان عظيم!!
وهكذا ذهب الرجل يُرعِد ويزبد، ينظِّر ويفلسف لهذه
الفكرة العرجاء الغريبة على الإسلام، حتى قال وما قصة الصومال وما ورثناه من
الثورة والخروج على زياد بري عنا ببعيد!!!
أصبت بدوران رأس، وصداع لا زلت أعاني منه حتى هذه
اللحظة وأنا أدون أسطري هذه، حاولت أن أفهم مشكلة الرجل وما الذي حمله على هذا المركب الصعب؟ وما الذي
دفعه ليخلط الأوراق ويجمع النقائض بهذا الأسلوب الفج، فرأيت أن الرجل يعاني من
أزمات مركبة، أشدها أزمتان إحداهما شخصية والثانية تاريخية.

