"قل سيروا في الأرض فانظروا" أمر إلهي عام للخروج من
المألوف، عن مسقط الرأس والمسكن أو منبت الشعبة والأهل، للسير في أرض الله بهدف
الاعتبار والاتعاظ، والنظر إليها نظرة ادكار وتفكر وتأمل، وقراءة ما فوق الأرض
وتحتها بعيون مفتوحة يقظة، لتعرف عظمة من فطرها، وتدرك قدرة وجلالة وعلو من أرسى
الرواسي عليها لئلا تهتزّ أو تميد بساكنيها، وأنبت الزرع والنبت، والحب والبذر
أشكالا وألوانا شتى، بطعم ونكهات متباينة حتى؛ ولتستيقن سعة خزائن من أحياها بعد موتها،
وبث فيها من كل البهائم والدوابّ والهوام! فسبحانك ربي ما أعظم شأنك، وما أبدع
صنعك "صنع الله الذي أتقن كل شيء".
لن تجد اختلالًا في الأرض والسماء بل وفي الكون كله، مهما حاولت
وأجهدتَ نفسك وأرهقتها بحثا عن عيوب أي عيب؛ سترجع حسيرا خائبا كئيبا "خلق
سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم
ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير".
دوامة الحياة في المدن والحواضر المكتظة، تنسيك وتفقدك الكثير من الذوق الرفيع، والإحساس المرهف واليقظان، وتدرك حينها لم كان الشعراء القدامى، والأدباء النجباء في الفصحى، حين كانت الحياة في البوادي أغزر وأعمق وأثبت مبنى ومعنى، ولم كانوا أدق تصويرا وأكثر قوة وجزالة وتحبيرا بالمقارنة بالشعر والأدب المعاصر المحشو بالغث الكثير والقليل من الثمين، بعد أن تطفل على مائدة الشعر والأدب التوافه والسوقة ومن لا خلاق لهم، ولا تربط بينهم وبين الأدب وشيجة، ولا يمتون إليه بصلة، إذ تغلبه سمة التكلف والتقعر! – وليس العبد الفقير بمنأى عن هذا – مما أفقد الأدب رونقه وجذابته ورقته وعذوبته المعهودة والمألوفة، حين كان الرجال الفحول يقودون ناصية الكلمة، ويأخذون بفودى رأسها فتتمايل لهم طربا، فتجود بأعذاب الألحان في نشوة لا توصف، ويصونون عرضها وشرفها من اغتصاب غريب، أو سرقة أفاك مقطوع الأصل مجهول النسب والحسب،حيث أصبح منزوع
